انقسام سياسي حاد في النمسا وأوروبا بعد إقرار لوائح الترحيل الجديدة وتحذيرات حقوقية من “آلة قمع”
النمسا ميـديـا – فيينا:
توصل البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مساء يوم الإثنين، إلى اتفاق رسمي بشأن “تنظيم الإعادة إلى الوطن”، وهو ما أثار ردود فعل واسعة النطاق في الأوساط السياسية والحقوقية. ويتضمن الاتفاق تشديداً إضافياً لقواعد اللجوء، ويسمح بإنشاء مراكز ترحيل (Return-Hubs) في دول ثالثة خارج حدود الاتحاد الأوروبي، تخصص لاستقبال طالبي اللجوء المرفوضين الذين لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب رفض تلك الدول استقبالهم أو لغياب العلاقات الدبلوماسية معها، شريطة التزام الدولة الثالثة بمعايير حقوق الإنسان الدولية.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة جوهرية معلقة حول كيفية تطبيق هذه المراكز على أرض الواقع، حيث أكد باحث الهجرة Gerald Knaus أن ملامح هذه المراكز لا تزال غامضة بالنسبة لوزراء الداخلية، مشككاً في فعاليتها ومشيراً إلى أنها لن تؤدي إلى خفض فعلي للهجرة غير النظامية.
من جهته، رفض مفوض الهجرة الأوروبي Magnus Brunner في تصريحاته لإذاعة Ö1 يوم الثلاثاء الكشف عن تفاصيل التنفيذ، مؤكداً أن مهمة المفوضية كانت تقتصر على إيجاد “القاعدة القانونية” لهذه المراكز، معتبراً الاتفاق جزءاً هاماً من تحول سياسة الهجرة الأوروبية، توازياً مع السعي لتنفيذ إجراءات اللجوء في دول ثالثة، رغم فشل نماذج سابقة مثل النموذج البريطاني في رواندا والنموذج الإيطالي في ألبانيا.
رحلة البحث عن دول شريكة والوضع القانوني للمراكز
أوضحت باحثة الهجرة Petra Bendel من جامعة Erlangen-Nürnberg أنه لم يتحدد بعد الدول التي ستوافق على استضافة هذه المراكز، وما هي الشروط والتكاليف المترتبة على ذلك، في حين تداولت وسائل الإعلام أسماء دول مثل أوغندا، رواندا، وكازاخستان كوجهات محتملة.
وفي هذا السياق، اتفقت دول مثل Österreich، Deutschland، هولندا، الدنمارك، واليونان، خلال اجتماع لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، على خارطة طريق ملموسة للتنفيذ السريع لهذه المراكز خارج الاتحاد. ومن الناحية القانونية، لم يحسم الأمر بشكل نهائي بعد، على الرغم من أن رأياً قانونياً صادراً عن محكمة العدل الأوروبية (EuGH) في شهر أبريل الماضي خلص إلى أن مراكز الترحيل الإيطالية في ألبانيا لا تنتهك القانون الأوروبي، وأن القوانين لا تمنع الدول الأعضاء من تأسيس مراكز خارج أراضيها، شريطة ضمان حصول المحتجزين على المساعدة القانونية واللغوية والتواصل مع عائلاتهم والسلطات المختصة، في انتظار صدور الحكم النهائي للمحكمة.
ومن جانبه، أعلن Barbar Baloch، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أن المفوضية لا تمانع فحص إمكانية إنشاء هذه المراكز طالما تم الالتزام بمعايير حقوق الإنسان.
عقوبات مشددة وتوسيع نطاق احتجاز القاصرين
أشارت مراسلة شبكة ORF، الصحفية Verena Sophie Maier، في تحليلها للاستراتيجية الأوروبية، إلى وجود مخاوف كبيرة تحيط بالجدول الزمني والعملي لتطبيق هذه الخطة التي اقترحتها المفوضية الأوروبية قبل نحو عام لرفع معدلات الترحيل بشكل كبير. وتفرض اللائحة الجديدة عقوبات أشد على الأشخاص الذين يرفضون مغادرة أراضي الاتحاد الأوروبي رغم عدم امتلاكهم تصريح إقامة، حيث يسهل الاتفاق إجراءات الاحتجاز وفرض حظر الدخول بشكل نظامي.
وتتيح القوانين الجديدة إمكانية فرض “احتجاز الترحيل” في حال رصد المسؤولين في الدول الأعضاء خطر هروب الشخص أو تهديده للأمن القومي، ويمتد هذا الإجراء ليشمل إمكانية احتجاز القاصرين أيضاً. ورداً على الانتقادات، شدد مفوض الهجرة Magnus Brunner على أن معايير حقوق الإنسان سيتم احترامها بالكامل، مشيراً إلى أن قرارات الترحيل تستند في الأصل إلى أحكام قضائية قطعية.
تحذيرات حقوقية وانقسام سياسي حاد حول الاتفاق
حذرت منظمات حقوق الإنسان من التداعيات الإنسانية للقرار، حيث وصفت Silvia Carta من منظمة PICUM غير الحكومية اللائحة بأنها ستخلق “آلة ترحيل واحتجاز دكتاتورية” تعتمد على القمع والعقاب، وتسمح باحتجاز الأشخاص في مراكز الترحيل لمدة تصل إلى 30 شهراً وتشتيت العائلات. وفي السياق ذاته، ذكرت Marta Welander من لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) أن الاتفاق يمنح الحكومات صلاحيات واسعة النطاق قد تؤدي إلى جعل المداهمات ضد المهاجرين أمراً طبيعياً واعتيادياً.
وعلى الصعيد السياسي النمساوي والأوروبي، قوبل الاتفاق بترحيب وإدانة واسعي النطاق؛ حيث اعتبر حزب الشعب النمساوي ÖVP على لسان رئيس كتلته البرلمانية Ernst Gödl أن القرار خطوة صحيحة وضرورية لتحقيق سياسة لجوء عادلة وذات مصداقية عبر الترحيل الحازم.
ومن جهته، وصف رئيس حزب الحرية النمساوي FPÖ، Herbert Kickl، والنائبة الأوروبية Petra Steger الاتفاق بأنه “النجاح المهم الأول للقوى الوطنية”، لكنهما اعتبراه مجرد “سياسة إصلاحية مؤقتة” لنظام لجوء أوروبي فاشل، مطالبين بإنهاء ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي تماماً.
وفي المقابل، شن رئيس وفد حزب الخضر في البرلمان الأوروبي، Thomas Waitz، هجوماً عنيفاً على الحزمة، واصفاً إياها بـ “قانون الترحيل الجماعي” (Deportationsgesetz) الذي يسقط حقوق الإنسان بشكل منهجي ويمنح الضوء الأخضر للمداهمات والاعتقالات المفتوحة في دول لا تحترم حقوق الإنسان، متهماً حزب الشعب الأوروبي (EVP) بتبني أجندة اليمين المتطرف.
يُذكر أن الاتفاق يحتاج حالياً إلى موافقة رسمية نهائية من البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء، على أن تدخل بعض الأحكام حيز التنفيذ بعد فترة انتقالية مدتها اثني عشر شهراً لمنح الدول الوقت الكافي للتطبيق.



